مدخل إلى علم العروض

مدخل إلى علم العروض

تمهيد: علم العروض ابتكره الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري الأزدي الذي ولد بالبصرة سنة 100 هـ وتوفي سنة 174 هـ في أوائل خلافة الرشيد، ويقال إنه أحدث أنواعاً من الشعر ليست من أوزان العرب، حيث أنه استنبط هذا العلم وأخرجه إلى الوجود وحصره في خمس دوائرعروضية استخرج منها خمسة عشر بحراً، ثم زاد تلميذه الأخفش بحراً واحداً وسماه الخبب وهو البحر السادس عشر.

يروى أن الخليل دعا بمكة أن يرزقه الله علماً لم يسبقه إليه أحد ولا يؤخذ إلا عنه، فرجع من حجه وفتح عليه بهذا العلم.
علم العروض: هو علم بمعرفة أوزان الشعر العربي، أو هو علم أوزان الشعر الموافق أشعار العرب، التي اشتهرت عنهم وصحت بالرواية من الطرق الموثوق بها، وبهذا العلم يعرف المستقيم والمنكسر من أشعار العرب،  والصحيح من السقيم، والمعتل من السليم.
الصلة بين العروض والموسيقى: إن العروض هو علم موسيقى الشعر، وهناك صلة تجمع بينه وبين الموسيقى بصفة عامة، وهذه الصفة تتمثل في الجانب الصوتي لكل منهما.
فالموسيقى تقوم على تقسيم الجمل إلى مقاطع صوتية تختلف في أحجامها طولاً وقصراً، أو إلى وحدات صوتية على نسق معين موزون، دون اعتبار لبداية الكلمات أو نهايتها. وكذلك شأن العروض، فالبيت من الشعر يقسم إلى وحدات صوتية أو مقاطع صوتية تختلف قصراً أو طولاً بغض النظر عن بداية الكلمات أو نهايتها، ولكن، من المهم أن نبين أن تقسيم البيت أو تقطيعه إلى وحدات صوتية لا يتحقق إلا إذا كتب البيت كتابة عروضية!
الإيقاع الشعري: إن للشعر موسيقى يصدرها اللسان وتستقبلها الآذان ويعيها القلب، ومن هذا المنطلق فإن معرفة الوزن لا تكون ميسرة بغير هذه الحواس، والإنسان كلما مارس الشعر قراءة وتنغيماً وإنصاتاً لنبرات مقاطعه وانسياب موسيقاه ورنين إيقاعه، درب ملكته المتذوقة وأصبح قادراً على تمييز الأوزان الشعرية ومعرفتها معرفة سليمة، وأدرك ما هو سليم الوزن وما هو مختل منه دون عناء أو مشقة، واستطاع أن يهتدي في يسر وسهولة إلى مواطن الخلل فيصلح ما عراه الخلل ليستقيم ويصبح منسجم التنغيم، فالأذن المدربة لا يغيب عنها خلل اللحن كما لا يغيب عنها خلل الوزن المنسي لحنه .
والإيقاع هو الظاهرة الصوتية التي تفصل النص بعد استيفائه النظام الإيقاعي من مجال النثر إلى مجال الشعر،  وهي الصفة الأساسية التي لا يكون الشعر شعراً بدونها، وهذه الإيقاعات تحكمها وحدات تفعيلية وهي لا تعني شيئاً سوى كونها معايـير تقاس بها كلمات البيت أو أجزاؤه من حيث المدة الزمنية التي يستغرقها التلفظ بها، أي أنها حوامل للحركات والسكنات المصورة في الموزون المقابل.
ولكي نعرف وزن القصيدة ومدى استقامتها على هذا الوزن، نقوم بتحديد هذا البحر الذي اختاره الشاعر ثم نغنيها عليه، فإذا لم يتعثر الغناء أو الجرس الموسيقي في بيت أو شطره، عرفنا أن القصيدة مستقيمة. أما إذا أختلف الغناء أو  اضطرب الجرس الموسيقي ولم يساير بقية الأبيات، عرفنا أن هناك خلل بهذا البيت أو الشطر ناتج عن نقص أو زيادة في الحروف التي تتألف منها مفرداته، فعملية وزن القصيدة غنائياً عملية صعبه ودقيقه جداً إلا لذوي الحس الموسيقي المرهف، فالأذن غير المدربة تدريباً جيداً قد يغيب عنها خلل اللحن أو الوزن إذ أن الشدة مثلاً تتسبب في اضطراب الجرس الموسيقي إذا جاءت ضمن كلمة يرفضها انسيابه والعكس صحيح إذا وضعت في سياق البيت كلمة يستدعيها الجرس الموسيقي مشددة وكانت غير ذلك فإنها تحدث فيه اختلالاً.
قواعد الكتابة العروضية: قد أسلفنا بالذكر أن العروض في حقيقة أمره ليس إلا ضرباً من الموسيقى اختص بالشعر على أنه مقوم من مقوماته. وإذا كان للموسيقى عند كتابتها رموزها الخاصة التي يستدل بها على الأنغام المختلفة، فإن للعروض رموزه الخاصة والتي تعرف بالرموز العروضية.
إن هذه الرموز العروضية تخالف الكتابة الإملائية حسب القواعد الإملائية المتعارف عليها، وهذه الرموز العروضية يُدَلُّ بها على التفاعيل التي هي بمثابة أنغام الموسيقى المختلفة في السلم الموسيقي.
إن الكتابة العروضية تقوم على أمرين أساسيين هما:
1 – ما ينطق يكتب.
2 – ما لا ينطق لا يكتب.
إن تحقيق هذين الأمرين يتطلب زيادة بعض أحرف لا تكتب إملائياً، وحذف بعض أحرف تكتب إملائياً، وفيما يلي تفصيل الأحرف التي تزاد أو تحذف في الكتابة العروضية:
الحروف التي تزاد:
 تزاد في الكتابة العروضية ستة أحرف وهي:
1-  فك التشديد: إذا كان الحرف مشدداً فُكَّ التشديد ورسم الحرف مرتين: مرةً ساكناً وأخرى متحركاً، نحو: رقّ، وتكتب عروضياً بالشكل: (رقْقَ).
2-   إذا كان الحرف منوناً كتب التنوين نوناً، نحو: جبلٌ، وتكتب عروضياً بالشكل: (جبلنْ).
3-  تزاد ألف في بعض أسماء الإشارة، نحو: هذا، وهذه، وهذان، وهذين، وهؤلاء، وذلك، وكتب عروضياً بالشكل: (هاذا، هاذه، هاذان، هاذين، هاؤلاء، ذالك)، وكذلك تزاد ألف في لفظ الجلالةوفي لكن المخففة والمثقلة فتكتب عروضياً بالشكل: (اللاه، لاكن، لاكنـْــنَ).
4-   تزاد واو في بعض الأسماء كما في: داود، طاوس، ناوس، فتكتب عروضياً بالشكل: (داوود،طاووس، ناووس).
5-  تكتب حركة القافية حرفاً مجانساً للحركة: إذا كانت حركة القافية ضمة، كتبت هذه الضمة عروضياً واواً، وتكتب الكسرة عروضياً ياءً وكذلك تكتب الفتحة عروضياً ألفاً.
6-  إذا أشبعت حركة هاء الضمير المفرد المذكر الغائب، كتبت حرفاً مجانساً للحركة، نحو: لهُ،منهُ، عنهُ، تكتب عروضياً بالشكل: (لهو، منهو، عنهو). وكذلك بالنسبة لكسرة الهاء إذا أشبعت، نحو: بهِ، إليهِ، فيهِ، فتكتب عروضياً على الشكل: (بهِي، إليهِي، فيهِي).أما كاف المخاطب فلا تشبع ولا تزاد.
الحروف التي تحذف:
1-   تحذف همزة الوصل: وهي الألف التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن إذا كان قبلها متحرك، ويكون ذلك في:
·         ماضي الأفعال الخماسية والسداسية المبدوءة بهمزة الوصل وفي أمرها ومصدرها، نحو:فانطلق، تكتب عروضياً (فنطلق).
·         الأسماء العشرة المسموعة : اسم ، ابن ، ابنم ، است ، امرؤ، امرأة ، اثنان، اثنتان، أيمن المختصة بالقسم، نحوباسمك، تكتب عروضياً(بِسْمِكَ).
·         أمر الفعل الثلاثي الساكن ثاني مضارعه: مثل فاسمع واكتب واقرأ، تكتب عروضياً بالشكل (فسمع وكتب وقرأ).
·         ألف الوصل من أل التعريف: في أل القمرية تحذف همزة الوصل، نحوطلع القمر، تكتب عروضياُ بالشكل: (طلعَ لْــقَمَرُ). وفي الشمسية تحذف الألف وتقلب اللام حرفاً من جنس الحرف الأول من الكلمة، نحوتشرق الشمس، تكتب عروضياً بالشكل: (تشرقُ شْـشَمْسُ) .
2-   تحذف واو (عمرو) رفعاً وجراً.
3-  تحذف الياء والألف من أواخر حروف الجر المعتلة (في – إلى - على) إذا تلاها ساكن، نحو:في البيت – إلى الجامعة – على الجبل، تكتب عروضياً بالشكل: (فِلْــبَيْتِ – إِلَلْــجامعة –عَلَلْــجبل).
4-   تحذف ياء المنقوص وألف المقصور غير المنونين عندما يليهما ساكن، نحو: الندى الرطب، تكتب عروضياً بالشكل: (نْنَدَرْرَطب).
أجزاء البيت الشعري: ينقسم البيت الشعري إلى قسمين متساويين من حيث الصوت ويسمى كل قسم منهما بشطر البيت، كما يسمى أيضا بالمصراع ويسمى الشطر الأول منهماالصدر والثاني العجز. ولمّا كانت التفعيلة الأخيرة من الصدر لها أهميتها سميت "العروض"، كما سميت التفعيلة الأخيرة من العجز "الضرب"، وما عدا العروض والضرب من أجزاء البيت فيسمىالحشو.
ونارُ الهوى تَخفَى، وفي القلبِ فِعلُها
كفعل الذي جادَت به كفُّ قادحِ
بحور الشعر: بحور الشعر ستة عشر بحرًا وهي: الطويل، المديد، البسيط، الوافر، الكامل، الهزج، الرجز، الرمل، السريع، المنسرح، الخفيف، المضارع، المقتضب، المجتث، المتقارب، المتدارك. اكتشف الخليل بن أحمد منهم 15 بحراً، ثم استدرك عليه تلميذه الأخفش بحر المتدارك السادس العشر. وقد جمعها أبو الطاهر البيضاوي في بيتين:
طويل يمد البسط بالوفر كاملُ
فسرح خفيفا يقتضب لنا
ويهزج في رجز ويرمل مسرعاً
من اجتث من قرب لندرك مطمعاً
وقد نظم صفي الدين الحلي بيتاً لكل بحر سميت مفاتيح البحور ليسهل حفظها.

البحر
أصل تفاعليه
تكرار الأصل
             مفتاح البحر
الطويل
فعولن مفاعيلن
4
طويلٌ له دون البحور فضائلٌ   
            فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن
المديد
فاعلاتن فاعلن
4
لمديد الشعر عندي صفاتُ          
            فاعلاتن فاعلن فاعلاتن
البسيط
مستفعلن فاعلن
4
إن البسيط لديه يبسط الأملُ   
            مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن
الوافر
مفاعلتن
6
بحور الشعر وافرها جميل             
            مفاعلتن مفاعلتن فعولن
الكامل
متفاعلن
6
كمل الجمال من البحور الكامل     
            متفاعلن متفاعلن متفاعلن
الهزج
مفاعيلن
6
على الأهزاج تسهيل                        
            مفاعيلن مفاعيلن
الرجز
مستفعلن
6
في أبحر الأرجاز بحرٌ يسهل        
            مستفعلن مستفعلن مستفعلن
الرمل
فاعلاتن
6
رمل الأبحر ترويه الثقات              
            فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن
السريع
مستفعلن مستفعلن مفعولات
2
بحرٌ سريع ماله ساحل                  
            مستفعلن مستفعلن فاعلن
المنسرح
مستفعلن مفعولات مستفعلن
2
منسرح فيه يضرب المثل               
           مستفعلن مفعولات مفتعلن
الخفيف
فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن
2
يا خفيفاً خفّت به الحركات            
           فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن
المضارع
مفاعيلن فاعلاتن مفاعيلن
2
تعدّ المضارعات    
           مفاعيلُ فاعلاتن
المقتضب
مفعولات مستفعلن مستفعلن
2
اقتضب كما  سألوا 
           مفعلات مفتعلن
المجتث
مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن
2
أن جثت الحركات     
          مستفعلن فاعلاتن
المتقارب
فعولن
8
عن المتقارب قال الخليل                 
          فعولن فعولن فعولن فعول
المحدث (الخبب أو المتدارك)
فعلن
8
حركات المحدث تنتقل           
 فعلن فعلن فعلن فعل

ذكر الزجاج أن ابن دريد أخبره عن أبي حاتم عن الأخفش قال: سألت الخليل بعد أن عمل كتاب العروض: لم سميت الطويل طويلاً؟ قال: لأنه طال بتمام أجزائه، قلت: فالبسيط؟ قال: لأنه انبسط عن مدى الطويل وجاء وسطه فعلن وآخره فعلن، قلت: فالمديد؟ قال: لتمدد سباعيه حول خماسيه، قلت: فالوافر؟ قال: لوفور أجزائه وتداً بوتدٍ، قلت: فالكامل؟ قال: لأن فيه ثلاثين حركة لم تجتمع في غيره من الشعر، قلت: فالهزج؟ قال: لأنه يضطرب؛ شبه بهزج الصوت، قلت: فالرجز؟ قال: لاضطرابه كاضطراب قوائم الناقة عند القيام، قلت: فالرمل؟ قال: لأنه شبه برمل الحصير لضم بعضه إلى بعض، قلت: فالسريع؟ قال: لأنه يسرع على اللسان، قلت: فالمنسرح؟ قال: لانسراحه وسهولته، قلت: فالخفيف؟ قال: لأنه أخف السباعيات، قلت: فالمقتضب؟ قال: لأنه اقتضب من السريع، قلت: فالمضارع؟ قال: لأنه ضارع المقتضب، قلت: فالمجتث؟ قال: لأنه اجتث، أي: قطع من طويل دائرته، قلت: فالمتقارب؟ قال: لتقارب أجزائه؛ لأنها خماسية كلها يشبه بعضها بعضاً.
Next Post Previous Post
No Comment
Add Comment
comment url